نصر حامد أبو زيد

98

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

العلماء أيضا في علم « المناسبة بين الآيات » وهو علم سنتعرض له أيضا في الباب الثاني من هذه الدراسة . 1 - علة التنجيم كان السؤال عن علة التنجيم والترتيب في نزول النص سؤالا بديهيا في الثقافة بشكل عام وعند علماء القرآن بشكل خاص . ولقد كان السؤال مطروحا - على سبيل الاعتراض - من مشركي مكة ، الذين سألوا محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء إلى جانب ما سألوه من معجزات أخرى . ويمكن أن يكون هذا السؤال من جانب المشركين نابعا من تصورهم لإنزال الكتب السابقة على أنبياء اليهود وأنها نزلت كتبا كاملة مدونة كما نزلت الألواح على موسى ، لذلك كان اعتراضهم على التنجيم نوعا من التشكيك في مصدر النص . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ « 1 » . ولا شك أن « تثبيت الفؤاد » المشار اليه في الآية يشير إلى مراعاة حال « المتلقي الأول » من حيث صعوبة عملية الاتصال بالوحي عليه على الأقل في بدايتها كما يقول ابن خلدون ، ومن حيث إن الثقافة ثقافة شفاهية يستحيل فيها استيعاب نص على هذا الطول . وعلى ذلك فان مراعاة حال المتلقي الأول ليست مجرد مراعاة لعوامل شخصية ذاتية بقدر ما هي مراعاة لحالة عامة يدخل فيها المتلقي الأول جنبا إلى جنب مع المخاطبين بالنص . لكن علماء القرآن لم يدركوا من هذا الجانب لعلة « التنجيم » سوى موقف المتلقي الأول للنص ومراعاة حالته وتثبيت فؤاده وتقوية قلبه : فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل اليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك اليه ، وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز ، فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة . كما أدركوا أيضا الطبيعة الشفاهية للثقافة وان ظلوا يدورون في اطار شخصية الرسول وحده : فإنه عليه السلام كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرق عليه لييسر عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة « 2 » . وإذا كان النص في نظر علماء القرآن يستجيب لأحوال المرسل اليه والمتلقي الأول

--> ( 1 ) سورة الفرقان : الآية 32 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول : ص 231 . ولا شك أن تجدد الوحي آنا بعد آن كان من شأنه مساندة المسلمين في صراعهم مع الكفار . ولذلك كانت « فترة » الوحي وانقطاعه عن محمد تجربة مريرة سواء بالنسبة لمحمد أم بالنسبة للمسلمين ، انظر السيرة النبوية : الجزء الأول : ص 225 .